الوثائق (العقود)… ذاكرة موريتانيا المنسية

إذا عرفنا “ذاكرة موريتانيا” بأنها مجموع الموروث التاريخي والثقافي والاجتماعي للبلاد، المحفوظ في الوثائق والمخطوطات والشهادات الشفوية والمواقع التاريخية والأعمال الأدبية والعلمية، والذي يمكّن من فهم تطور المجتمع والهوية الوطنية عبر العصور، فسوف يتضح لنا أن كتابة التاريخ الموريتاني اعتمدت طويلًا على الرواية الشفوية وعلى حوليات المدن القديمة، إضافة إلى بعض الكتب التاريخية التي لم تخرج في الغالب عن إطار السرد الحولي. وفي العقود الأخيرة، ظهرت محاولات للاستفادة من المخطوطات، خصوصًا مخطوطات النوازل الفقهية، بوصفها وعاءً مهمًا لحفظ الذاكرة العلمية والاجتماعية غير أنّ هناك مصدرًا آخر ظلّ بعيدًا عن اهتمام المؤرخين قديمًا وحديثًا، مع أنّه لا يقل أهمية، بل قد يكون أوثق وأغنى، وهو: الوثائق (العقود).
فهذه الوثائق، المنتشرة في المكتبات الأهلية وبعض البيوت الموريتانية، ما تزال تمثل مادة أولية خامًا، لم تُستثمر بعد بما يكفي. ومع أنّ الولوج إليها صعب، وتحتاج إلى باحثين متخصصين قادرين على قراءة نصوصها وفك رموزها، فإنها قادرة – متى ما أُحسن التعامل معها – على أن تصبح مصدرًا تاريخيًا موثوقًا يضيء جوانب متعددة من حياة المجتمع الموريتاني في أبعاده الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. ولا تقف قيمتها عند هذا الحد، بل إنها تمثل رصيدًا علميًا معتبرًا في الأنساب واللسانيات، لما تتضمنه من صيغ دقيقة وأسماء وأنساب محفوظة بعناية. ومع أنّ معظمها عبارة عن صكوك بيع وشراء (منازل، بساتين، ماشية) وشهادات (ميلاد، زواج، وفاة) أو توثيق أحداث تاريخية خاصة، فإنّ استنطاقها يكشف عن معطيات غنية، قادرة على سد ثغرات كبيرة في كتابة تاريخ موريتانيا.
ولنأخذ مدينة شنقيط مثالًا: فقد أتاح لي الاطلاع على الآلاف من وثائقها تتبع أسماء معظم أئمة مسجدها العتيق والفترات التي عاشوا فيها ؛ وهذا مجرد مثال على ما يمكن أن تقدمه هذه الوثائق من معلومات ثمينة تعيد رسم تاريخنا الوطني من جديد. إن الوثائق (العقود) ليست مجرد أوراق قديمة مطوية في رفوف المكتبات، بل هي ذاكرة موريتانيا الحقيقية، وآن الأوان لأن تُستثمر بما يليق بقيمتها.
المهندس : محمد الأمين بن الغلام بن حبت



