بين طوابير المعاناة وضجيج المأمورية الثالثة وطلاق حرم الرئيس من يخطف اهتمام المواطن؟
الإعلامي أحمد ولد الدوه الشنقيطي

في الوقت الذي يواجه فيه المواطن يومياً ضغوطاً متزايدة بسبب ارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، وانتشار البطالة، وتكرار انقطاعات الكهرباء وما تخلفه من خسائر مادية ومعنوية،ونفسية
إضافة إلى تنامي المخاوف المرتبطة بالأمن والعصابات المسلحة وتسب الامني والخدمات الأساسية، يجد الرأي العام نفسه أحياناً
منشغلاً اومشغولا بنقاشات وقضايا ثانوية تستحوذ على مساحة واسعة من الاهتمام، بينما تتراجع الأسئلة الأكثر إلحاحاً إلى الصفوف الخلفية.
فبدلاً من أن يحتل النقاش حول تحسين مستوى المعيشة، وتوفير فرص العمل، وإصلاح الخدمات العمومية، وتعزيز الأمن، صدارة المشهد،
تنشغل الساحة العامة والتواصل الاجتماعي بجدالات سياسية وإعلامية من قبيل الحديث عن المأمورية الثالثة أو قضايا مرتبطة بحياة الشخصيات العامة، مثل طلاق حرم الرئيس،
وهي ملفات قد تكون محل اهتمام من زاوية معينة، لكنها لا تمثل في نظر كثير من المواطنين الأولوية أمام واقع معيشي يفرض نفسه بقوة.
إن المجتمعات لا تُقاس حيويتها بكمية الجدل الذي يدور فيها، بل بقدرتها على توجيه النقاش العام نحو القضايا التي تصنع مستقبلها.
فالمواطن الذي ينتظر حلاً لمشكل البطالة، أو يبحث عن خدمة كهربائية مستقرة، أو يعاني من ارتفاع تكاليف الحياة، لا يجد في المعارك الجانبية إجابات عن الأسئلة التي تؤرقه يومياً.
وقد تلجأ بعض النخب ومراكز النفوذ، سواء عن قصد أو نتيجة لطبيعة التنافس السياسي والإعلامي، إلى دفع قضايا معينة إلى الواجهة، فتتحول إلى عناوين كبرى تطغى على غيرها، بينما تبقى الملفات الاقتصادية والاجتماعية تنتظر حلولاً جدية.
وفي مثل هذه الحالات، يصبح الرأي العام أمام خطر الانشغال بالتفاصيل على حساب جوهر التحديات.
ولا يعني ذلك أن القضايا السياسية أو العامة غير مهمة، فالنقاش حول مستقبل الحكم، أو أداء المسؤولين، أو الحريات، هو جزء طبيعي من الحياة العامة في أي مجتمع.
لكن المشكلة تظهر عندما تتحول هذه الملفات إلى وسيلة لحجب القضايا التي تمس حياة الناس مباشرة، أو عندما يصبح الجدل غاية في حد ذاته بدل أن يكون طريقاً للوصول إلى حلول.
إن الأولوية التي ينتظرها المواطن اليوم هي رؤية سياسات واضحة تعالج ارتفاع الأسعار، وتخلق فرص العمل، وتحسن الخدمات، وتحمي مصالح الفئات الأكثر هشاشة الأمن التعليم الصحة…..
فالتنمية لا تُبنى بالشعارات ولا بالمعارك الإعلامية العابرة، وإنما بقرارات ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
إن المجتمعات التي تنجح في فرض أجندتها هي تلك التي تجعل من هموم الناس محوراً للنقاش العام، وتدفع صناع القرار إلى تقديم إجابات عن الأسئلة الحقيقية.
أما حين تسمح القضايا الهامشية والتافهة بأن تطغى على المشكلات الأساسية، فإنها تخاطر بإضاعة الوقت والجهد بعيداً عن الملفات التي تحدد مستقبلها.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل نريد نقاشاً يستهلك طاقة المجتمع في الجدل العقيم ، أم نقاشاً يوجه هذه الطاقة نحو بناء حلول تحفظ كرامة المواطن وتستجيب لتطلعاته؟
فالواقع اليومي للناس هو المعيار الحقيقي لنجاح أي تجربة سياسية أو تنموية. فهل من مدكر؟.



