
محمد ولد المنير… نموذج لكفاءات شنقيط التي تستحق أن توظَّف خبراتها في تنمية موطنها الأصلي.
من مدينة شنقيط، المدينة التي أنجبت علماء ومفكرين و رجالًا تركوا بصماتهم في التاريخ، يبرز اليوم اسم أحد أبنائها، الأخ الخبير الدولي الدكتور محمد ولد المنير، الذي استطاع أن يشق مسارًا مهنيًا دوليًا في مجال التنمية والتخطيط والعمل المؤسسي.
فقد تولى محمد ولد المنير مهمة المستشار الفني الرئيسي لمشروع «تمكين» التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تونس، وارتبطت تجربته بالعمل على تعزيز قدرات الفاعلين المحليين والمجتمع المدني، والمساهمة في مسارات التنمية التشاركية.
ومن أبرز التجارب المرتبطة بمساره تجربة جزيرة جربة التونسية، حيث ساهم في مسار إعداد مخطط تنموي تشاركي للجزيرة، قائم على التشخيص الميداني وجمع احتياجات السكان وترتيب الأولويات، وتحويلها إلى مصفوفة منظمة للمشاريع و التدخلات التنموية، بما يساعد على تحديد الأولويات والجهات المعنية ومسارات العمل.
إن هذه التجربة تكتسب دلالة خاصة بالنسبة لنا في شنقيط و ولاية آدرار، فمدينتنا التي تعاني من احتياجات تنموية كبيرة، وتحتاج إلى استثمارات ومشاريع في البنية التحتية والخدمات والاقتصاد المحلي، لديها في المقابل أبناء يمتلكون خبرات تستعين بها مؤسسات وهيئات دولية للمساهمة في تنمية مناطق خارج الوطن.
وهنا يبرز السؤال الذي يستحق أن نفكر فيه جميعًا: كيف يمكن أن تتحول هذه الخبرات من رصيد مهني يساهم في تنمية الآخرين إلى رافعة حقيقية لتنمية مدننا وولايتنا ؟
PADDA… تجربة تنموية لآدرار
في هذا السياق، تأتي مبادرة رابطة تراث آدرار (APA) لإعداد المخطط المتسارع للتنمية المستدامة لآدرار (PADDA)، باعتباره مسارًا علميًا وتشاركيًا يهدف إلى وضع تصور تنموي متكامل للولاية، يستند إلى واقعها واحتياجات سكانها وإمكاناتها، بدل الاكتفاء بتشخيص عام للمشكلات أو عرض مطالب متفرقة.
وتكمن أهمية هذا العمل في أنه يسعى إلى إنتاج مصفوفة Matrice تنموية موحدة، تجمع احتياجات مقاطعات آدرار الأربع، وتوثق المشكلات وأسبابها، وترصد الإمكانات والموارد المحلية، ثم ترتب الأولويات وتحولها إلى مقترحات مشاريع وإجراءات واضحة، مع تحديد المستفيدين والجهات المعنية والشركاء المحتملين ومؤشرات المتابعة.
وهي مبادرة نوعية، إذ تعمل الرابطة على إنجاز أول مصفوفة تنموية موحدة وشاملة من نوعها على مستوى ولاية آدرار، بما يتيح الانتقال من المطالب المتفرقة إلى رؤية تنموية منظمة، يمكن الاستناد إليها في الحوار مع المؤسسات العمومية والشركاء الفنيين والماليين.
ما العلاقة بين تجربة «تمكين» TAMKINE و PADDA؟
رغم اختلاف طبيعة المشروعين، فإن بينهما تقاطعًا مهمًا في فلسفة التنمية:
-تمكين في تونس: ركز على تقوية قدرات منظمات المجتمع المدني والفاعلين المحليين، وتعزيز مشاركتهم في التنمية، ومساعدتهم على امتلاك الأدوات اللازمة لإعداد المشاريع وتنفيذها ومتابعتها.
-PADDA في آدرار: يركز على إعداد مخطط تنموي ترابي شامل، يبدأ بتشخيص احتياجات السكان وإمكانات المناطق، ثم ترتيب الأولويات وصياغة المشاريع في مصفوفة موحدة، تمهيدًا للترافع بشأنها وبناء الشراكات اللازمة.
بعبارة أخرى، ساهمت تجربة تمكين في تقوية قدرات الفاعلين الذين يشاركون في التنمية، بينما يسعى PADDA إلى توفير الإطار التخطيطي الذي يجمع أولويات الولاية ومشاريعها في رؤية واحدة.
وهنا تبرز أهمية الاستفادة من الخبرات التي راكمها أبناء آدرار في تجارب دولية مماثلة، ومن بينها تجربة محمد ولد المنير، بما يسمح بتبادل المعرفة وتطوير أدوات التخطيط التنموي محليًا.
إن إعداد مخطط تنموي علمي ليس مجرد وثيقة إدارية، بل هو خطوة أساسية حتى تعرف الولاية ماذا تحتاج، وما الذي ينبغي أن تعطيه الأولوية، وما الموارد المتاحة، ومن هي الجهات المعنية، وما المشاريع التي تستحق أن تُعرض على الشركاء من أجل تمويلها ومواكبتها.
ومن هذا المنطلق، فإن مبادرة رابطة تراث آدرار تستحق التقدير؛ لأنها تضع بين أيدي أبناء الولاية مسارًا عمليًا لبناء رؤية مشتركة، ومصفوفة يمكن أن تشكل مرجعًا للتخطيط والترافع والشراكة في السنوات القادمة.
شنقيط وآدرار لا تحتاجان إلى أبنائهما في الداخل فحسب، بل تحتاجان أيضًا إلى خبراتهم وتجاربهم التي اكتسبوها في الخارج.
فمن حق مدينة شنقيط، التي قدّمت الكثير من المعرفة والإشعاع الحضاري، أن تستفيد من كفاءات أبنائها، ومن حق آدرار أن تتحول إمكاناته البشرية والطبيعية والتراثية إلى مشاريع تنموية ملموسة.
معًا نحدّد الأولويات… ونرسم مستقبل آدرار.



