
ليست شنقيط مجرد حاضرة تاريخية نتغنى بماضيها المجيد، أو اسمًا نستحضره في المناسبات الثقافية والعلمية، بل هي جزء أصيل من الذاكرة الوطنية الموريتانية، ورافد مهم من روافد بناء الدولة الحديثة، بما قدمته من إسهامات في المقاومة والعمل السياسي والإدارة والتعليم والعسكرية والتجارة.
وقد كان لأبنائها حضور مبكر في الفعل السياسي الوطني، ومن الشواهد على ذلك ترشح الرئيس المؤسس للجمهورية الإسلامية الموريتانية، المختار ولد داداه، رحمه الله، عن دائرة شنقيط للجمعية الفرنسية، بعد تنازل الوجيه أحمد المنير، رحمه الله، عن منصبه لصالحه.
وعلى امتداد العقود، قدمت شنقيط أطرًا وكفاءات مشهودًا لها بالعلم والنزاهة والتعفف والإخلاص، توزعت على قطاعات متعددة، من الإدارة والطب والجراحة إلى التعليم والبحث العلمي والأمن والعسكرية والمالية والتجارة. وقد أدى أبناؤها مسؤولياتهم الوطنية بوفاء، فمنهم من قضى نحبه، رحمه الله، ومنهم من لا يزال يواصل العطاء، أطال الله عمره في طاعته.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا لم ينعكس هذا الرصيد التاريخي والبشري على حضور شنقيط في مواقع القرار، ولا على نصيبها من التنمية والاهتمام المؤسسي بما يتناسب مع مكانتها؟
لقد تعاقبت الأنظمة على حكم البلاد، وظل اسم شنقيط حاضرًا في الخطابات بوصفها رمزًا للعلم والتراث والهوية، غير أن هذا التقدير الرمزي لم يصاحبه، في نظر كثير من أبنائها، ما يكفي من المشروعات التنموية المستدامة، ولا حضور ملموس لكفاءاتها في مواقع المسؤولية العليا.
فكيف لمدينة حملت اسم موريتانيا إلى العالم، وأسهمت في تشكيل ذاكرتها العلمية والثقافية، أن تظل بحاجة إلى مزيد من الاهتمام بواقعها الاقتصادي والخدمي، وأن يتساءل أبناؤها عن فرصهم في المشاركة في صناعة القرار الوطني؟
إن المطالبة بإنصاف شنقيط ليست دعوة إلى المحاصصة الجهوية، ولا مطالبة بمنصب يُمنح على أساس الانتماء، فالكفاءة لا جنسية جغرافية لها، والمناصب العامة مسؤوليات وطنية ينبغي أن تُسند إلى مستحقيها وفق معايير النزاهة والخبرة والاستحقاق. لكن العدالة تقتضي كذلك تكافؤ الفرص، وألا تُهمَّش الكفاءات بسبب اعتبارات لا صلة لها بقدرتها على العطاء.
ومن حق أبناء شنقيط أن يتساءلوا: ما الذي يمنع أن يتولى أحد كفاءاتها حقيبة وزارية أو مسؤولية وطنية رفيعة متى استحقها؟ وهل تحظى كفاءاتها بما يكفي من الحضور في حسابات التعيين، أسوة بنظرائها في مختلف مناطق البلاد؟
ولا يقتصر إنصاف شنقيط على التمثيل في المناصب، بل يتطلب أيضًا تنمية حقيقية تحمي تراثها، وتطور خدماتها الأساسية، وتدعم اقتصادها، وتوفر لشبابها فرص العمل، حتى لا تظل مدينة يُحتفى بماضيها أكثر مما يُستثمر في مستقبلها.
كما تقع على أبنائها، من أطر ومنتخبين وفاعلين اقتصاديين وثقافيين، مسؤولية الإسهام في بلورة رؤية تنموية واضحة، والدفاع عنها بوسائل مؤسسية، بما يحول المطالب المشروعة إلى خطوات عملية.
إن شنقيط لا تطلب امتيازًا على حساب غيرها، وإنما تطالب بأن تتحول مكانتها التاريخية إلى اهتمام تنموي ملموس، وأن تجد كفاءاتها فرصتها العادلة في خدمة الوطن.
فليس من الإنصاف أن يظل الاعتراف برمزية شنقيط واسعًا في الخطابات، بينما يبقى السؤال عن واقعها التنموي وحضور أبنائها في مواقع القرار قائمًا.
فإلى متى يظل الاعتراف بمكانة شنقيط أسبق من إنصافها؟



